ابن عربي

43

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

اللّه بالخير الأخروي لمن أسيء إليه إذا صبر ولم يجاز ، لكان المقرر في العرف بين الناس كافيا فيما في التجاوز والعفو والصفح عن المسئ ، فإن ذلك من مكارم الأخلاق ، ولولا إساءة هذا المسئ إليّ ما اتصفت أنا ولا ظهرت مني هذه المكارم من الأخلاق ، كما أني لو عاقبته انتفت عني هذه الصفات في حقه ، وكنت إلى الذمّ أقرب مني إلى أن أحمد على العقاب ، فكيف والشرع قد جاء في ذلك ! بأن أجر من يعفو ويتجاوز ولا يجازي أنه على اللّه فلا تدخل ابتداء في اليمين ، فأهل اللّه في كل نفس مع ما يكشف لهم ، فلا يدرون حكم النفس الثاني ، فلا يحسن بهم التقيد باليمين على أمر في المستقبل . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 90 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) [ كل مسكر حرام ] قال صلّى اللّه عليه وسلم : كل مسكر حرام ، فالحكم التحريم ، والعلة الإسكار ، فالحكم أعمّ من العلة الموجبة للتحريم ، فإن التحريم قد يكون له سبب آخر غير السكر في أمر آخر . ولا يطرب الشارب إلا إذا شرب خمرا وإذا شرب خمرا فقد جاء شيئا إمرا ، لأنه يخامر العقول فيحول بينها وبين الأفكار ، فيجعل العواقب في الأخبار فيبدي الأسرار برفع الأستار فحرمت في الدنيا لعظيم شأنها ، وقوة سلطانها . الأزلام : قداحة الميسر ، واحده زلمة وقد أمرنا باجتناب عمل الشيطان في قوله : « فإنه رجس من عمل الشيطان » وهو البعيد من رحمة اللّه « فاجتنبوه » أي كونوا مع الاسم القريب من الرحمة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 91 إلى 94 ] إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا